ابن عجيبة
227
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى الحسية . قاله البيضاوي . وقال ابن جزى : هو تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض ، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها : كَذلِكَ النُّشُورُ « 1 » و كَذلِكَ الْخُرُوجُ « 2 » . ه . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ؛ فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى ، إذ لا فرق . وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ أي : الأرض الكريمة والتراب الجيد يَخْرُجُ نَباتُهُ بسهولة ، حسنا قويا نضرا ، بِإِذْنِ رَبِّهِ أي : بمشيئته وقدرته ، وَالَّذِي خَبُثَ من الأرض ؛ كالحرة والسبخة ، لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ؛ قليلا عديم النفع ، أو عسيرا بمشقة ، كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ؛ نكررها ونرددها لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ نعمة اللّه ، فيتفكرون فيها ، ويعتبرون بها . قال البيضاوي : والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها ، ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثر بها ، ومثله في البخاري في حديث طويل « 3 » . وقال ابن عباس وغيره : هو ضرب مثل للمؤمن والكافر . وقال ابن جزى : يحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر اللفظ ، فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر ، وأن تكون تمثيلا للقلوب ؛ فالطيب : قلب المؤمن ، والخبيث : قلب الكافر ، وقيل : هما للفهم والبليد . ه . الإشارة : وهو الذي يرسل رياح الهداية ، تنشر سحاب الواردات الإلهية والنفحات الربانية ، بين يدي معرفته ، أو تبشر بها قبل وصولها ، حتى إذا أقلت سحابا ثقالا بالعلوم اللدنية ، سقناه لقلب ميت بالجهل والهوى ، فأنزلنا مما فيه من ماء ذلك الأمطار ، فأخرجنا به من ثمرات العلوم وأزهار الحكم ونوار اليقين . وفي الحكم : « لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته ، فليس المقصود من السحابة الأمطار ، وإنما المقصود وجود الأثمار » . ( كذلك نخرج الموتى ) أي : نحى القلوب الموتى بالجهل ، ( لعلكم تذكرون ) . والبلد الطيب ، وهو القلب الطيب ، إذا هبت عليه هذه الواردات ، ونزلت فيه أمطار النفحات ، يخرج نباته من العلوم والمعارف بإذن ربه ، والذي خبث من القلوب لا يخرج ما فيه إلا نكدا - أي : ضعيفا ؛ لعدم تأثره بالواردات والمواعظ . وقال الورتجبي : ذكر - سبحانه - القلب الذي هو بلد اللّه الذي مطر عليه من بحر امتنانه ، ويخرج نبات ألوان الحالات والمقامات . ثم قال : وكل قلب بذره الهوى فنباته الشهوات . ه .
--> ( 1 ) من الآية 11 من سورة ق . ( 2 ) من الآية 9 من سورة فاطر . ( 3 ) وذلك قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل ما بعثني اللّه به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير . . . » الحديث أخرجه البخاري في ( العلم - باب فضل من علم وعلّم ) ومسلم في ( الفضائل - باب بيان ما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الهدى والعلم ) عن أبي موسى رضى اللّه عنه .